علم الإقتصاد

الإقتصاد الإسلامي: تغريدات وجيزة في إيضاح المعالم الرئيسية

توطئة ومفاهيم :

 

بسم الله الرحمن الرحيم
قال الله تعالى في سورة المائدة مخاطبا المسلمين :
(اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا)


فهل قبل المسلمون بذلك أم تركوه؟! كيف يصح أن يكون دين الله عزوجل خاليا من سياسة الناس في أموالهم وحركتهم الإقتصادية والتجارية وتنظيم كسب معاشهم اليومي.

 

* خصائص الإقتصاد الإسلامي : يقرر أن الأصل في الخلق هي الوفرة و الندرة النسبية هي عرض يظهر ويختفي ، يسهم الإنسان نشوئه وتعميقه و تكرار ظهوره. قال تعالى (قل أئنكم لتكفرون بالذي خلق الأرض في يومين وتجعلون له أندادا ذلك رب العالمين. و جعل فيها رواسي من فوقها وبارك فيها وقدر فيها أقواتها في أربعة أيام سواء للسائلين)

كما أن الإقتصاد الإسلامي يقيم بعض المفاهيم كقانون الطلب والعرض كما نجده عند ابن خلدون ، و مفهوم النقود الرديئة تطرد النقود الجيدة من السوق كما أشار لذلك تقي الدين المقريزي في كتابه " إغاثة الأمة بكشف الغمة " و هو صحيح في ظل بيئة احتكارية و غير متوازنة ، سيتم التطرق لكتابه بإذن الله في تغريدات خاصة .
الإقتصاد الإسلامي فيه ما تابث شرعي ، مثل تحريم الربا ، وجوب الزكاة ومصارفها. وشق آخر يخصص للإجتهاد بناء على القواعد الشرعية لوضع نماذج وتسيير معاش الناس وقد تتوقف على بيئة المكان والزمان لكنها شاملة وليست جزئية ولا تتغير مع نزعات النفس.
الإقتصاد الإسلامي يتوافق وسنة الله في أرضه ، قال تعالى ( والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل شيء موزون ) وهنا مفهوم واضح وهو " التوازن " الذي يحقق الإستفادة المثلى من خيرات الأرض  أستحضر حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ( لا ضرر ولا ضرار ) .ما نجده حاضرا في آلية الزكاة أو النهي عن الإكتناز وعدم إخراج الصدقات، حتى يحصل توازن بين المعروض النقدي والسلعي ، وتضييق الفوارق المعيشية والإقتصادية.

في إطار التوازن أذكر بمفهوم الوفرة الذي أقره الله عزوجل كأصل من أصول الخلق، لكن هذا لا يعني إنكار عارض "الندرة النسبية" وهي نتيجة حتمية سواء لكسل الإنسان أو التضييق عليه نتيجة سياسة الدولة ، أو عجزه عن استخراج نعم الله من بحاره وأرضه، أو لسوء تصرفه .
أعطي مثال، كالمراباة والمضاربة في الأسواق المالية التي أضحت الجزء الكبير في اقتصاديات عصرنا، لا إنتاج ولا توظيف للمال في الإقتصاد الفعلي ، فقط انتظار أن تصعد القيمة السوقية التي قد تكون مبنية على مجرد توقعات وليس عمل وإنتاج ومبيعات فعلية.
مثال آخر يهم سياسة الدولة في نظامها الضريبي المقام على المكوس و التي تعطل وتضيق على آلة الإنتاج وخاصة للأفراد والشركات الصغيرة , والإداري المرتبط بالقدرة على الإستغلال  وباستخلاصالأوراق اللازمة حيث نجد علاقة متينة بين الثروة و أنظمة الحكم وهو ما يفسد غالبا معاش الناس.

الإقتصاد الإسلامي يعالج الوضع الإقتصادي كمذهب ونظام موجود بذاته ، ولا نقول أن له تقاطعات مع الأنظمة الرأسمالية والإشتراكية ، فهو من يوجد مواضيع دراساته ويؤطرها في قالب مقيد بالنصوص الشرعية

موضوع دراسة #الإقتصاد_الإسلامي هو تحديد أهداف النشاط الإقتصادي وكيفية تنظيمه ، قد تختلف التطبيقات باختلاف ظروف الزمان والمكان لكن في تقيد بالنصوص الشرعية. قوله تعالى (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم ) الإسلام يحرص على تحقيق التوازن الإقتصادي .وهو تحقيق للعدالة في توزيع الثروات والدخول، لكن قد يختلف التطبيق من منطقة لأخرى كل ذلك في إطار المرجعية الواحدة ؛ فقد يتطلب ذلك تدخل الدولة لإعادة التوازن لكن كيف سيكون التدخل وما حجمه؟ كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم بادئ الهجرة إلى المدينة.حين خص المهاجرين دون الأنصار بفيء بني النضير، أو عدم  كراء ما يزيد من أرض الأنصار على الحاجة لإخوانهم المهاجرين حتى تعم الفائدة. الإقتصاد الإسلامي يضمن العمل والملكية ، وقبلهم حد الكفاف وهو حق يكفله المجتمع والدولة كما جاء في قوله تعالى ( وآت ذا القربى حقه والمسكين وابن السبيل) .

 

 

مصادر التمويل في بداية نشوء دولة الإسلام :


الفيء مورد يلحق بأموال الدولة أذكر هنا قوله صلى الله عليه وسلم في فيء بني النضير ( إن إخوانكم من المهاجرين ليس لهم أموال، فإن شئتم هذه و أموالكم بينكم وبينهم جميعا ، وإن شئتم أمسكتم أموالكم وقسمت هذه فيهم خاصة) فقال الأنصار ( لا بل تقسم هذه فيهم ، واقسم لهم من أموالنا ما شئت) فنزل قوله تعالى ( ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة)، فاستقل المهاجرون منذ ذلك الحين في مساكن خاصة بهم . 
والفيء هو المال الذي يقع من الأعداء بلا قتال أمره إلى ملكية الدولة تضعه حيث تشاء. أما الغنيمة فهي المال الذي يقع من الأعداء بالقتال يقسم أخماسا: أربعة للجند وخمس للدولة قال تعالى ( واعلموا أنما غنمتم من شيء فإن لله خمسه وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل)
الجزية التي أقرها سبحانه وتعالى على أهل الكتاب فيما بعد هي الأخرى من الموارد المالية وإن كانت لها وظيفة أخرى، وما ذكره العلماء أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يفرض دينارا واحدا على كل محتلم ذكر عاقل وقادر.
وقد يأتي ذكر مصدر أو أكثر للتمويل في فقرات أخرى

 

 

قضايا معالجة خلال فترة ما بعد الهجرة في الإقتصاد الإسلامي :


الملكية الفردية: هي قاعدة ثابثة منذ بداية عهد الإسلام ، في قوله تعالى ( وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم) فتنسب الأموال والديار إلى أصحابها وقوله تعالى أيضا(لا تقربوا مال اليتيم إلا بالتي هي أحسن ) وفي قوله صلى الله عليه وسلم ( من أحيا أرضا ميتة فهي له ). وما فعله صلى الله عليه مع أهل الصلح والذمة أهل نجران ودومة الجندل وغيرهم حينما أقرهم على أموالهم وممتلكاتهم.
وفي التنظيمات التجارية ، روي عن قيس بن أبي غرزة قال: كنا في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم نسمى السماسرة، فمر بنا النبي صلى الله عليه وسلم فسمانا باسم هو أحسن منه فقال: يا معشر التجار إن البيع يحضره اللغو والحلف فشبوه بالصدقة.
وقد نهى صلى الله عليهه وسلم عن بعض المعاملات الجاهلية منها الغش والخداع ، فقد مر على صبرة طعام فأدخل يده فيها فنالت أصابعه بللا فقال : ما هذا يا صاحب الطعام، قال: أصابته السماء يا رسول الله ، قال : أفلا جعلته فوق الطعام كي يراه الناس، من غش فليس مني.

 

كما أنه صلى الله عليهه وسلم نهى عن بيوع كثيرة كانت منتشرة في الجاهلية أذكر منها :
بيع الملاقيح: ما في بطون الإبل من الأجنة وهي من بيوع الغرر
ربا البيوع: كانوا يبيعون الكيل من النوع الجيد بالكيلين وبالثلاثة من الأنواع الأخرى
وقد تعرض القرآن للربا بأنواعها في مواضع مختلفة ومنها قوله تعالى (وما آتيتم من ربا ليربوا في أموال الناس فلا يربوا عند الله) نزلت في الفترة المكية وقال القرطبي في تفسيرها : أن الربا الوارد هو ما كان من الهبات والهدايا التي كان صاحبها يلتمس بها ما هو أفضل ولا موضع تحريم في هذه الآية.
كما تعرض القرآن إلى البيوع في ربا النسيئة ، ومفادها إذا حل الأجل زادوا في الثمن على أن يؤخروا فحرمها ، قال تعالى (يا أيها الذين آمنوا لا تأكلوا الربا أضعافا مضاعفة).
وتأكد تحريم ربا المال في السنة الثامنة من الهجرة بعد فتح مكة، حيث لم يجب رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد الطائف إلى ما سألوا من تحليل الربا وأباه عليهم (أبو عبيد بن سلام/ الأموال)
وذكر الواحدي أن بني عمرو من ثقيف كانوا يتعاطون الربا وكان هم مال ربا على بني المغيرة من بني مخزوم بمكة، فجاؤوا عتاب بن أسيد والي مكة من قبل رسول الله يشكون إليه المغيرة، فرفع عتاب القضية إلى رسول الله فنزل قوله تعالى( يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وذروا ما بقي من الربا إن كنتم مؤمنين فإن لم تفعلوا فاذنوا بحرب من الله ورسوله وإن تبتم فلكم رؤوس أموالكم لا تظلمون ولا تظلمون) وذكرت أسباب نزول أخرى.
وشرط رسول الله صلى آله عليه وسلم على نصارى نجران في العام التاسع من الهجرة في كتاب الذمة الذي كتبه لهم أن لا يأكلوا الربا فمن أكل الربا فالذمة بريئة منه (أبو عبيد بن سلام/ الأموال)
في المقابل نجد الله عزوجل أقر السلف إلى أجل معلوم دون فائدة في قوله تعالى (يا أيها الذين آمنوا إذا تداينتم بدين إلى أجل مسمى فاكتبوه) كما جعل الرهان المقبوضة من الضمانات لأموال الناس وحفظ حقوقهم في قوله تعالى ( وإن كنتم على سفر ولم تجدوا كاتبا فرهان مقبوضة)
ذكر القرطبي في تفسيره : أن الرسول صلى الله عليه وسلم رهن درعه عند يهودي طلب منه سلف الشعير، فقال اليهودي إنما يريد محمد أن يذهب بمالي فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كذب إني لأمين في الأرض وأمين في السماء ولو ائتمنني لأديت اذهبوا إليه بدرعي . فمات ودرعه مرهونة.

 

كما كان يوجه التجار حتى لا يتأذى الناس في قوله صلى الله عليه وسلم : لا يحتكر إلا الخوانون

ومن القضايا المعالجة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم ، تضييق الفوارق الإقتصادية بين الأنصار والمهاجرين ، كما أنه حاول التخفيف قليلا على الأنصار، واتباعا لقوله تعالى ( ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ولذي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم) ؛ الفيء الذي يدخل بيت مال المسلمين بلا قتال، قسمه تعالى بين أهل الحاجة حتى لا يستقوي الأغنياء وأصحاب السلطان على فقراء المسلمين ، فجعل للمهاجرين وفقراء الأنصار من سعة العيش حتى يلحقهم بحال عامة الأنصار ويحقق التوازن بين الناس وفي معاشهم.
وقد شهدت بعض الغزوات نشاطا تجاريا ، فقد ذكر البيهقي في الرواية، أن رجلا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قال : لما فتحنا خيبر أخرجوا غنائمهم من المتاع والسبي فجعل الناس يبتاعون غنائمهم ، فجاء رجل فقال يارسول الله لقد ربحت ربحا ما ربحه اليوم أحد ، أبيع وأبتاع حتى ربحت ثلثمائة أوقية( السنن الكبرى)
ولا شك بعد فتح خيبر وبعدها مكة كان له تأثير كبير على الحياة الإقتصادية والإجتماعية للمسلمين ، كما أحدثت تنظيمات وتشريعات اقتصادية جديدة. فصار رسول الله صلى الله عليه وسلم يهب الأرض الموات(المتروكة) للناس على شرط الزراعة والإستثمار، والإنتفاع بها، وجعل إحياء هذا النوع من الأراضي سبيلا لتملكها( أبويوسف / الخراج)
وفرضت الزكاة وأخرجت الصدقات من أموال الأغنياء وفتحت طرق التجارة ، وهذا لا يعني تحديد درجة الرفاه الإقتصادي ومستوى المعيشة بعد فتح مكة؛

 

من التنظيمات الإقتصادية في زمن خلافة عمر رضي الله عنه، لما توسعت البلاد والتجارة :
* فرض جباية العشر على تجارة أهل الحرب والصلح
كتب قوم من أهل الحرب قيل كانوا من منبج إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، يسألونه الإذن في الدخول إلى دار الإسلام تجارا، فشاور عمر الصحابة ، فأشاروا عليه به ، فأجازها عمر وأمر أن تكون المعاملة بالمثل (يحي بن آدم القرشي / الخراج).
* زكاة التجارة والزراعة على المسلمين و ما تم الإتفاق من خراج عليه في تجارة أهل الذمة
* أنشأ بيت مال المسلمين، وهو أول من وضع الدواوين (الطبري/ تاريخ الأمم والملوك)
أهم الدواوين التي أنشأها عمر رضي الله عنه «ديوان العطاء» ، يقول الطبري ( وفي هذه السنة فرض عمر للمسلمين، ودون الدواوين، وأعطى العطايا على السابقة) وقد حدد سنة 15 هجرية؛

 

تعددت موارد بيت المال من الزكاة والصدقات والجزية والعشور والخراج، وكانت هذه الأخيرة على جانب كبير من الأهمية، وبخاصة بعد قرار الخليفة بإبقاء الأراضي الزراعية في أيدي أصحابها المحليين، في عهد عمر فتحت بلاد كثيرة فدار نقاش بين الصحابة في تقسيم الأرض بين الجند الغانمين، فرأى عمر وعدد من الصحابة أن يتركوا الأرض لمن كان يعمل عليها على خراج يؤدونه عنها فيكون وقفا لعامة المسلمين
وقد تكون عوامل ساهمت في هذا الرأي :
* قلة عدد المسلمين بالنسبة للأرض المفتوحة
* قلة الخبرة بأمور الزراعة و مخافة الإنشغال بها عن الجهاد
القرار وفق إلى إيجاد مورد مالي ثابت يصرف منه على الجند ويدفع منه الصدقات والأرزاق ومصالح الدولة ( أبويوسف / الخراج)

جاء في الأحكام السلطانية للماوردي : خطب عمر بن الخطاب رضي الله عنه الناس فجمع في خطبته بين صفتهم وصفة ولايته عليهم ، وحكم المال الذي يليه ، بما هو الصواب المسموع والحق المتبوع ، فقال : أيها الناس اقرأوا القرآن تعرفوا به ، واعملوا بما فيه تكونوا من أهله ... ألا وإني ما وجدت صلاح هذا المال إلا بثلاث : أن يؤخذ بحق ، و أن يعطى في حق ، و أن يمنع من باطل ، ألا وإني في مالكم كولي اليتيم ، إذا استغنيت استعففت ، وإن افتقرت أكلت بالمعروف .

 

من القواعد التي أسس لها منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم ، حرية التملك والإنتاج و قد نجد ذلك في الحديث المذكور سابقا ( من أحيا أرضا ميتة فهي له ) و (من عمر أرضا ليست لأحد فهو أحق بها) ، فيستطيع التقدم إلى الجهة المشرفة فيتم للمتصرف الأمر . فدور الدولة في الإقتصاد الإسلامي كما أقره العلماء من بعد هو توجيهي يستشرف تحقيق التوازن الإقتصادي ويتدخل متى تطلب الأمر ذلك.

 

وقد فصل ابن خلدون في المضار الناتجة عن تدخل الدولة في النشاط الإقتصادي ، وعنون الفصل الأربعين من كتاب المقدمة " في أن التجارة من السلطان مضرة بالرعايا مفسدة للجباية " ، ولدينا أمثلة من واقعنا وإن تحدثنا في ظل مذهب "غير إسلامي " ، جيش مصر ، وعدد من حكام دول المنطقة العربية.
باختصار مجالات تدخل الدولة في #الإقتصاد الإسلامي :
*توجيه وتنظيم الحياة الإقتصادية وهو ما يقوم به المحتسب في الأسواق ( سأتطرق بإذن الله لمؤسسة الحسبة) كما فعل صلى الله عليه فيما ذكرته سابقا ، وهنا حديث آخر ( لا تتلقوا الركبان، ولا يبع بعضكم على
بعض ولا يبع حاضر لباد) نهى هنا عن السلع أن قبل إلى تجيئ السوق، ونهي أن يتوسط الحاضر في البيع للغائب قبل دخوله للسوق.
*ضمان استغلال الموارد المتوفرة في إطار أرض معينة وتوزيع الثروات والمداخيل من بيت مال المسلمين
*ضمان حيوية الحركة الإقتصادية ، بتوفير الطرق والسدود ووسائل النقل و الإطار التشريعي الإسلامي الذي يضمن لكل فرد حقه؛ قد خصص عمر رضي الله عنه حيث ثلث إيراد مصر لعمل الجسور والطرق، وري الأراضي ، كما أن ابن خلدون أشار إلى أهمية إنفاق الدولة في تحقيق الطلب العام والرواج الإقتصادي، فتكون مشتر أساسي في فترة معينة لمنتجات صناعية معينة فتحافظ بذلك على تلك الصناعة.
*حماية الأسواق والصناعة المحلية : ولنا في فرض عمر رضي الله عنه العشور على تجارة أهل الحرب والصلح والمعاملة بالمثل نمودج صريح؛ من جهة أخرى نجد قوله صلى الله عليه وسلم حماية للمستهلك ( من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغليه عليهم كان حقا على الله أن يقعده بعظم من النار يوم القيامة )

 

من القواعد الأساسية في الإقتصاد الإسلامي ، تحقيق حد الكفاية وهو ما يطعم ويكتسي به كل مسلم وذمي في أرض الإسلام ، ويتم ذلك طبقا لقوله تعالى ( وآتوهم من مال الله الذي آتاكم ) و بتوزيع الثروة والمداخيل أفقيا حتى يشمل فقراء المسلمين ولا يكون المال دولة بين الأغنياء.
في خلافة عمر رضي الله عنه كان عبد الله بن الأرقم خازنا لبيت المال فقال له عمر : يا عبد الله أقسم بيت مال المسلمين في كل شهر مرة ..وبعد فترة في كل جمعة مرة ، في كل يوم مرة ؛ فقام رجل من القوم فقال لعمر : يا أمير المؤمنين لو أبقيت في بيت المال بقية تعدها لنائبة ، فقال عمر للرجل: جرى الشيطان على لسانك...أعد لها ما أعد لها رسول الله صلى الله عليه وسلم ، طاعة الله ورسوله.
فكما يتضح أن العقيدة الإسلامية تلعب دورا مهما في الإقتصاد الإسلامي ، وفهم سنة الله في أرضه وبذلك تتحقق مصالح العباد التي لأجلها يجتهد المشرع الإقتصادي في دولة الإسلام، فالمال هو مال الله و الإنسان مستخلف في ملك الله؛ الرواية لا تعبر عن عدم احتياط لأننا لا نعلم مقدار ما تملكه خزينة المسلمين ، لكنها إشارة واضحة إلى وجوب قضاء حاجة الناس من بيت المال.
فعمر هو من أمر المسلمين أن يكون عند كل مسلم سلاحه وعدة حربه يدخرها، جاهد أم لم يجاهد، فقد قال عبد الله بن عمر : لولا أن عمر قال لي احبس سلاحك لأعطيته بعض بني.
كما أن الإقتصاد يقاس بدرجة النشاط الإقتصادي ومدى إنفاق واستهلاك الأفراد والدولة ، فهو بذلك يقضي حاجة المحتاج ويشجع على الإنفاق والعطاء.

 

مما أقر أيضا في بداية دولة الإسلام ، ما وجد للإنتاج لا يحق تعطيله : قال عمر رضي الله عنه ( من كانت له أرض ثم تركها ثلاث سنين فلم يعمرها، فعمرها قوم آخرون فهم أحق بها) ، ونجد ذلك واضحا أيضا في قوله صلى الله عليه وسلم ( المال ليس بكنز إذا أديت زكاته)
وتأملوا حولكم كم من الأراضي لم تعمر وهي صالحة ، وكم من المباني بنيت وهجرت ، فكان ذلك سببا في رفع الإيجار والتضييق على معاش الناس.

 

 

الفقه في الإقتصاد الإسلامي :

 

مما يقره الفقه في الإقتصاد الإسلامي ، أن إنتاج ما يحقق للأمة قوتها واستقلالها ، ويحررها من التبعية يعد من فروض الكفاية إن وجد أهل الإختصاص للقيام به ؛ يقول شيخ الإسلام ابن تيمية ( إن هذه الصناعات فرض على الكفاية، فإنه لا تتم مصلحة الناس إلا بها... فإذا كان الناس محتاجين إلى فلاحة قوم، أو نساجتهم ، أو بنائهم ، صار هذا العمل واجبا ، يجبرهم ولي الأمر عليه ـ إذا امتعنوا ـ بعوض مثل ) الحسبة في الإسلام.
وهنا أشير لوضعنا الحالي وخاصة في دول خصها الله من فضله بثروات، استعانت بعمالة أجنبية وياليتها مسلمة ، فمتى تبدل اليسر إلى عسر وانقطع العطاء ، نشأ جيل لا قدرة له على العمل والإنتاج.
أسرد مقتطفات مما ذكره ابن شبة في " تاريخ المدينة " :
في الرواية ( عن أبي عدي قال : كنا جلوسا في المسجد ، فقام عمر بن الخطاب ، فقلنا: أين تنطلق يا أمير المؤمنين ، قال: أنطلق إلى السوق ، أنظر إليها ؛ فأخذ درته فانطلق، وقعدنا ننتظره، فلما رجع قلنا : كيف رأيت يا أمير المؤمنين؟ قال : رأيت العبيد والموالي جل أهلها، وما بها من العرب إلا قليلا ـ وكأنه ساءه ذلك ـ فقلنا: يا أمير المؤمنين قد أغنانا الله عنها بالفيء، ونكره أن نركب الدناءة، وتكفينا موالينا وغلماننا، قال: والله لئن تركتموهم وإياهم ، ليحتاجن رجالكم إلى رجالهم، ونساؤكم إلى نسائهم)
إن كانت خشية عمر رضي الله عنه من التبعية الإقتصادية فيما بين المسلمين ، فمن باب أولى أن تكون الخشية من التبعية لغير المسلمين أكثر وأشد.
يكمل رحمه الله (...ولقد صدق ظن عمر ، فعندما بدأ جيل التابعين في النصف الثاني من القرن الأول، تبدل اليسر بالعسر، وصار عامة الناس إلى فقر؛ حيث انقطع العطاء السنوي؛ ونشأ جيل لا قدرة لهم على العمل، وأخذ أهل المدينة من العرب يتناقصون، وتزايد عدد الموالي والعبيد والمنقطعون إلى المجاورة...وانحسر العرب إلى البادية..واحتاجوا ما بأيدي أهل المدينة..).
فما الذي فعلته أنظمة الحكم العلمانية في المسلمين ، جعلوهم عالة على العالم ، يستوردون غالب حاجياتهم بل الضروريات منها ، من غذاء ودواء وتقنيات ، وخلدوا لرفاهية العيش في بلدان الخليج واعتمدوا على عمالة مستقدمة ، فمتى ما انقطعت ثروة تلك البلاد ، تخلى عنها هؤلاء.

 

ومما نجده أيضا في الفقه الإقتصادي لعمر رضي الله عنه قوله (أيها الناس، أصلحوا معايشكم فإن فيها صلاحا لكم،وصلة لغيركم ) ابن أبي الدنيا / إصلاح المال.
إصلاح المال كمصطلح اقتصادي إسلامي ، يقصد به الإنتاج وتوظيف ما خلق للإنتاج ضمن الحدود الشرعية، فبذلك تعيل نفسك و تساعد غيرك ممن هو في حاجة.
كما أن ممارسة أي نشاط اقتصادي يفرض تعلم أحكامه الشرعية ، قال عمر ( لا يبيع في سوقنا إلا من قد تفقه في الدين )
وفي تفسير قوله تعالى (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياما ) ذكر القرطبي :.. ويقال لا تدفع مالك مضاربة، ولا إلى وكيل لا يحسن التجارة. وروي عن عمر أنه قال ( من لم يتفقه فلا يتجر في سوقنا ). فذلك قوله (ولا تؤتوا السفهاء أموالكم) يعني الجهال بالأحكام.

 

عودة على العشور التي أقرها عمر رضي الله عنه على تجارة الكفار القادمين من خارج دولة الإسلام، فهي من المكوس ومحرمة على تجارة المسلمين، لقوله صلى الله في صحيح مسلم (..لو تاب صاحب مكس لغفر له ) و في مسند أحمد ( لا يدخل الجنة صاحب مكس )
يقول زياد بن حدير ـ من الصحابة رضوان الله عليهم ـ وهو أول عامل لعمر على العشور ( ما كنا نعشر مسلما ولا معاهدا، قال فمن كنتم تعشرون؟ قال: تجار أهل الحرب) أبو يوسف/ الخراج
الماوردي في الأحكام السلطانية ( وأما أعشار الأموال المتنقلة في دار الإسلام من بلد إلى بلد فمحرمة؛ لا يبيحها شرع، ولا يسوغها اجتهاد، ولا هي من سياسات العدل)

 

فمال المسلمين اليوم ينفق لإنقاذ اقتصادات النصارى واليهود، وشراء الأندية الرياضية، وتمويل حروب أمريكا ومساعدتها داخليا، فأي جناية أكبر من هذه في حق المسلمين وأموالهم التي استخلفوا فيها..حسبنا الله ونعم الوكيل؛ تجد المتأخرين أجازوا لهؤلاء المكوس بشتى أنواعها الحديثة في مال المسلمين بدواعي الضرورة! وأي ضرورة هذه .. إقامة الإقتصادات الربوية، استحلال الفجور

 

مؤسسة الحسبة :


عرفها ابن خلدون بأنها (وظيفة دينية من باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر الذي هو فرض على القائم بأمور المسلمين، يعين لذلك من يراه أهلا له، فيتعين فرضه عليه ويتخذ الأعوان على ذلك ويبحث عن المنكرات ويعزر ويؤدب على قدرها، ويحمل الناس على المصالح العامة..)
وقد اتفق العلماء والمؤرخون أنها ظهرت في صورتها الأولى دون وجود جهاز وظيفي، بعهد الرسول صلى الله عليه وسلم، ذكرت أمثلة لذلك سابقا، ثم بعد فتح مكة عين أول محتسب على سوقها سعيد بن العاص.
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : أحب الأعمال إلى الله ، إيمان بالله ثم صلة رحم ثم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
أذكر مقتطفات من كتاب " نهاية الرتبة في طلب الحسبة " ل عبد الرحمان الشيرزي ، تخص بعض مهام المحتسب في النشاط الإقتصادي، ويعد ذلك من جملة ما اتفق عليه علماء المسلمين:
*..ولما لم تدخل الإحاطة بأفعال السوقة تحت وسع المحتسب، جاز له أن يجعل لأهل كل صنعة عريفا من صالح أهلها.. فقد روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : استعينوا على كل صنعة بصالح أهلها
*لا يجوز للمحتسب تسعير البضائع على أربابها.. لأن السعر غلا على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم ،فقالوا: يا رسول الله سعر لنا، فقال : إن الله هو المسعر، وإني لأرجو أن ألقى الله وليس أحد يطالبني بمظلمة في نفس ولا مال.
ملاحظة: لا مقارنة مع النظم الإقتصادية الربوية القائمة التي يعتريها خلل في التوازن سواء السلعي أو النقدي ومن معاملات محرمة شرعا وهو واضح حتى لمن يعمل بها .
*وإذا رأى المحتسب أحدا احتكر الطعام من سائر الأقوات ، ألزمه بيعه إجبارا ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : الجالب مرزوق والمحتكر ملعون.
ذكر في كتابه ما يتجاوز الثلاثين صنعة ، الجزارين والخبازين والصيادلة والصيارفة ...، لكل حرفة وضع لها معايير يمشي عليها المحتسب في عمله حتى يتقنه ويبتغي فيه وجه الله.
نظام الحسبة هو نظام رقابة ومتابعة شامل، يراعي الجانبين الديني والدنيوي ، ويتوسع بتطور الأسواق والنظم الإقتصادية ، يتطلب من المحتسب الإلتزام بسنة نبيه في مظهره وتدينه ، والمعرفة بالإختصاص الذي يقوم على حسبته.

 

 

:مؤسسة الأوقاف


الوقف حسب تعريف ابن قدامة في المغني : (تحبيس الأصل وتسبيل الثمرة ) . مأخوذ من قوله صلى الله عليه وسلم لعمر رضي الله عنه حين استشاره في أرض له ( احبس أصلها وسبل ثمرتها)
أصل المال يصير محبوسا أو موقوفا ، فيمنع التصرف فيه على صاحبه وعلى ورثته أو غيرهم، يستفيد من منفعته الذين حبس من أجلهم.
والتسبيل مفاده تفويت المنفعة في سبيل الله عزوجل إلى من حبس لأجلهم أصل المال ، وهي " صدقة جارية " كما سماها النبي صلى الله عليه وسلم : إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث : صدقة جارية ، أو علم ينتفع به، أو ولد صالح يدعو له.
لا يصح الرجوع في الوقف بعد الإقدام عليه، يقول الشوكاني في "نيل الأوطار" : فالحق أن الوقف من القربات التي لا يجوز نقضها بعد فعلها ، لا للواقف ولا لغيره.
يقول الصحابي جابر بن عبد الله رضي الله عنه : لم يكن أحد من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ذو مقدرة إلا وقف . ابن قدامة / المغني
الوقف كغيره من الصدقات ، لكن ميزته هو بقاء أصله بإذن الله لأجيال عدة وكذا الحفاظ على كيانات اقتصادية قوية كالأراضي الزراعية والبنايات وخلق تراكمات رأسمالية ، يدعم بيت مال المسلمين ـ وإن كان مستقلا ـ حتى تستمر دولة الإسلام في أداء وظائفها، ولنا في التاريخ منذ عهد النبي صلى الله علي وسلم أمثلة كثيرة لإستثمار الوقف اقتصاديا.

عن عمرو بن الحارث قال : ما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم دينارا، ولا درهما ولا عبدا ولا أمة ، إلا بغلته البيضاء التي كان يركبها وسلاحه وأرضا جعلها لإبن السبيل صدقة
قال ابن حجر في " الفتح " : إنه تصدق لمنفعة تلك الأرض، فصارر حكمها حكم الوقف.
قال النووي : الأرض التي كانت للنبي صلى الله عليه وسلم بخيبر وفدك فقد سبلها في حياته، ونجز الصدقة بها على المسلمين.( المنهاج في شرح صحيح مسلم)
ومن تفسير القرطبي : المسألة إجماع بين الصحابة وذلك أن أبا بكر وعمر وعثمان وعليا وعائشة وفاطمة وعمرو بن العاص والزبير وجابرا كلهم وقفوا الأوقاف ، وأوقافهم بمكة والمدينة معروفة مشهورة.
فالوقف نظام إسلامي أخرج بأحكامه وتطبيقاته مؤسسات إسلامية أسهمت فـــي صناعة الحضارة الإسلامية ونهضة الأمة، بشـــموله كل مناحي الحياة التعبدية والتعليمية والمعيشية والإغاثية

الوقف هو مشاركة المقتدرين من المسلمين في تحمل جزء من أعباء بيت مال المسلمين ، إذا تم وضع برامج جيدة للإستفادة منه ، وعدم احتكاره من الدولة بغير وجه حق كما حدث في تاريخنا الحديث والمعاصر. فلذلك الإقتصاد الإسلامي يؤكد دور العقيدة ولزوم أن يتحلى بها الحاكم والمحكوم، حتى يحصل التكافل في جو من الثقة المتبادلة.
وقد أشرت إلى أمر عمر لعبد الله بن الأرقم أمين بيت المال وقوله في ذلك ، وهناك أيضا معركة تبوك التي جمع لها رسول الله صلى الله علييه وسلم من الصدقات التي احتاجت لها دولة الإسلام لخوض المعركة.

 

 

السياسة المالية :


عناصر تتميز بها جميع السياسات المالية:
* إيرادات الجبايات المفروضة
* مصارف الإيرادات والنفقات العامة
* النتائج المستهدفة من تدبير المالية العامة
الدولة في إطار أي نظام تلجأ إلى السياسة المالية لزيادة الثروة وتحسين الإنفاق الكلي الذي يشمل الحكومة والأفراد، فيتم سواء سحب المال أو دفعه في اتجاه معين يتحقق من خلاله إنتعاش النشاط الإقتصادي.

السياسة المالية بعنصريها الرئيسين الإيرادات والنفقات، وسيلة اقتصادية تؤدي إلى زيادة الإنتاج و بذلك زيادة الثروة ، طبقا للمصلحة العامة وتجنبا للتضخم أو الإنكماش وآثارهما

 

 

السيرة النبوية الشريفة لا تروي لنا في الجانب الإقتصادي الذي يشمل الموارد المالية (الضريبية) ، سوى فريضة الزكاة في السنة الثانية من الهجرة ، والخراج الذي يدفعه من صالحهم على أراضيهم في زراعتهم ، والجزية التي فرضت في السنة الثامنة من الهجرة ، فلم يفرض رسوما على البيع في السوق ولا فرض جبايات على أحد ، رغم ما كانت تشهده دولة الإسلام في بداياتها من عجز كبير.
فلم يكلف النبي صلى الله عليه وسلم دولته تحصيل إيرادات ضريبية للوفاء بدين على خزينة المسلمين، ولا سد عجز في نفقات الجهاد ضد المشركين.

 

قيض النبي صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده عمالا على الزكاة يسعون في تحصيلها لقاء أجور، فهو واجب شرعي اتفق الفقهاء على وجوب دولة الإسلام تنظيمه ، حتى يؤخذ من البخيل ويوجه المحتار في مصارفها.
قال صلى الله عليه وسلم لمعاذ لما بعثه لأهل اليمن " فأعلمهم أن الله افترض عليهم صدقة تؤخذ من أغنيائهم فترد في فقرائهم. فإن هم أطاعوا لذلك. فإياك وكرائم أموالهم."
فالحديث واضح أنه ليس في مال المسلمين حق سوى الزكاة؛ كما أن الدولة في استطاعتها بعد قضاء حاجة الناس من بيت المال، أن توجه الفائض إلى دعم البنية التحتية وتوفير النقل العام و غيرها.

أشير سريعا إلى أن الزكاة كما شرعت تجب في المال النامي ، أي كل ما هو عروض للتجارة أو المحاصيل الزراعية و الإبل ، الأرباح الصناعية ، النقدين (الذهب والفضة) ، فلا تجب في الأموال التي لا تدخل في حكم النماء ، مثلا : كأدوات الإنتاج من المحلات والمصانع والسفن ، أو مال القنية أي ما خص به الإنسان نفسه
يقول النبي صلى الله عليه وسلم: ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة.
يذكر النووي في شرحه : هذا الحديث أصل في أن أموال القنية لا زكاة فيها
يقول ابن رشد الجد فى المقدمات : ”إن الزكاة سميت بذلك لأنها لا تؤخذ إلا من الأموال التى يبتغى بها النماء لا من العروض المقتناه، فالزكاة فى اللغة النماء وسميت بالنماء لتعلقها به“ .
في المجمل ما شرطه العلماء هو أن يدخل في حكم المال النماء وإن لم يتحقق ، ما دام بلغ النصاب و دار عليه الحول ، يقول صلى الله عليه وسلم : ”ليس في مال زكاة حتى يحول عليه الحول“
فالزكاة تعد ركيزة أساسية في السياسة المالية وفي دفع عجلة النشاط الإقتصادي انطلاقا من معالم أساسية:
الإقتطاع من المال في حال تحقق النصاب وما ذكر من شروط ، عدم حبس المال بالإكتناز ، وانفاقه في أشكال استهلاكية تساهم في زيادة الطلب الكلي.

 

أريد التنويه إلى زكاة الركاز المعطلة في ظل تغييب تام لشرع الله وسنة نبيه. الركاز هو كل ما دفن في باطن الأرض من كنوز ومعادن وتم استخراجه، ونحن نعلم الثروات الهائلة ـ نفط وغاز وذهب وفوسفات ـ التي تتميز بها مناطق المسلمين ، وحقيقة هذه الثروات أضحت رهينة في يد الأنظمة العربية والشركات الأجنبية ، يؤكل فيها حق الفقير والأرامل واليتامى ، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

الزكاة كونها دورية و لا تؤخذ من صنف واحد من الأموال يعد مهما جدا للمستفيدين منها ، فذلك من جهة يحفظ لتلك الأموال ( ثمار ، إبل ..) قيمتها ومن جهة أخرى يحمي الفقراء من ارتفاع أسعارها في حالة انخفاض مدخراتهم، وللزكاة في هذه الأصناف حقيقة منفعة أخرى تتعلق بالحد من تضخم السيولة في الأسواق ، فالمحتاجون سيستهلكون عينها.

فيما يتعلق بسياسـة تحصـيل الزكـاة، فـإن الـنبي صـلى الله عليـه وسـلم، قـدم تحصيل الزكاة مـن عمـه العباس لعـامين، وعمـر رضـي الله عنـه، أخـر الزكـاة في الحجـاز عـام الرمادة، وأمر أن تجبى من قابل عن عامين. أبي عبيد / الأموال

ومن هنا يمكن القول أن سواء تعجل أو تأخر تحصيلها بالنسبة للدولة _ في العام نفسه _، ذلك يعود للمصلحة الإقتصادية ولمصلحة راجحة واضحة، فالزكاة لها صفة تعبدية بالأساس يستحب لها الإستقرار و التقليل من التغييرات الإجرائية.

 

إلى جانب إيرادات " الجبايات الضريبية " كانت هناك ما يطلق عليه " الحمى " بكسر الحاء وتكون فقط من أرض الموات، وهي أملاك للدولة موجهة للإستفادة العامة ، كما ذكر في " الأحكام السلطانية " و " الأموال " لأبي عبيد حيث خصص رسول الله صلى الله عليه وسلم أرضا ترعى فيها خيل المسلمين. روى ابن عمر، قال: حمى النبي صلى الله عليه وسلم النقيع لخيل المسلمين.

 

من الإيرادات الضريبية في عهد الخلافة الراشدة ، العشور على تجارة أهل الحرب في معاملة بالمثل ــ وقد تحدثت في ذلك .

ولم يعـرف العهـد الراشـد ضـريبة فرضـت علـى أرض المسـلمين في جزيـرة العـرب أو غيرهـا سـوى زكاتها الواجبـة علـى كـل مسـلم تملـك زرعـا

إلى جانب الحمى يوجد الصوافي في فترة الخلافة الراشدة ، حيث اصطفى عمر رضي الله عنه سواء من أرض الموات أو من أرض الخراج المتخلى عنها والغير مؤجرة للأفراد، لخزانة الدولة تتصرف فيه كما تشاء لصالح المسلمين.

في اعتقادي الصوافي إنما لما كثر اكتراء الأراضي من أصحابها من سواد العراق من طرف كبار الصحابة، وكما ذكرت سابقا أن هذا من الفيء الذي أوقفه عمر وفرض عليه الخراج جباية لبيت المال ، فأراد بذلك أن يخص منها أملاك الدولة، وفي خلافة علي رضي الله عنه تم منع استئجار أراضي الخراج.
يذكر أبوعبيد في كتابه الأموال أن غلتها في زمن عمر بلغت سبعة ملايين درهم.

 

أشير إلى كون العلماء من بعد أجازوا الأخذ من مال الأغنياء ما يكفي حاجة الفقراء إن لم يكفي ما فرض من زكاة وصدقات، يقول ابن حزم في كتابه المحلى: "إنه يجب على أغنياء كل بلدة أن يقوموا بفقرائهم، ويجبرهم السلطان على ذلك إن لم تقم الزكوات بهم ولا في سائر أموال المسلمين ، فيقام لهم بما يأكلون من القوت الذي لا بد منه ، ومن اللباس ...وبمسكن يكنهم "
قد ذكر ابن العربي المالكي والقرطبي اتفاق العلماء على أنه إذا نزلت بالمسلمين حاجة بعد أداء الزكاة فإنه يجب صرف المال إليها، ونقلا عن الإمام مالك  رحمه الله  قوله : يجب على الناس فداء أسراهم وإن استغرق ذلك أموالهم.

 

 

مما ذكر سابقا يمكن تقسيم أملاك خزينة دولة الإسلام ـ بيت مال المسلمين ـ إلى صنفين :
أملاك موجهة للمنفعة العامة أو الخاصة بمجموعة من المسلمين ( دائما من ضمنهم الفقراء) وهي " الحمى " و كل ما فيه مصلحة عامة للناس كالماء ، الكهرباء ، الطرق ...؛ فلا يستحب تمليكها لجهة معينة مراعاة لمنافع الناس.
فيما عدا "الحمى" الذي قد يكون مرعى أو ماء ..الذي وضعه رسول الله صلى الله عليه وسلم وفيه أصناف، ما هو مخصص لعامة الناس ، أو فقط للمسلمين دون أهل الذمة ، أو فقط للفقراء ؛ حيث لم توضع عليه تكاليف للإنتفاع..فالخدمات الأخرى ـ المعاصرة ـ لا يوجد لها تأصيل هي فقط اجتهادات معاصرة.
في اعتقادي بناء على التوجه العام للإقتصاد الإسلامي وما نجده في اجتهادات علماء المسلمين في القرون التي خلت ، فرض رسوم مثلا على خدمة استغلال الماء أو الكهرباء يجب أن تراعي شرطين في نفس الوقت :
* حاجة بيت المال لتلك الرسوم و الوضعية الإقتصادية
* الجهة التي تستفيد من الخدمة هل هي شركات ( كبيرة أو صغيرة )

 

ملاحظة : ما أذكره دائما في إطار دولة تطبق الشريعة الإسلامية في جميع مناحى الحياة 

 

حاليا ما نلاحظه هو خصخصة ما فيه منفعة عامة للمسلمين ، كالماء والكهرباء والطرق والطب والتعليم ، وهو بالضرورة توجه لا يعبر بتاتا عن مقاصد الإقتصاد الإسلامي في دولة إسلامية. فيؤدي ذلك لإحتكار هذه الخدمات وفرض رسوم باهظة ، تدفع للدولة في شكل ضرائب (مكوس).

 

والصنف الآخر هي أملاك موقوفة على بيت مال المسلمين ، لا تحصل فيها المنفعة بشكل مباشر للمسلمين، كأراضي الخراج ، أو حتى المعادن المستخرجة ، فإيراداتها موجهة للخزينة، تصرفها دولة الإسلام في مصارفها المحددة شرعا، وإنجاز مشاريع للخدمات العامة .

 

 

بعد الخلافة الراشدة في زمن الدول المتعاقبة حصلت مخالفات شرعية كثيرة ، كإبقاء خراج الأرض على من أسلموا من أهل اليمن ، فأصلح ذلك عمر بن عبد العزيز رحمه الله ، أو حتى " العطاء " الذي كان يعطى على الولاءات السياسية فيحرم بذلك مستحقيه .

 

أريد إعطاء مثال على كون السياسة المالية في ظل النظام الربوي سياسة غير عادلة وهدامة :
فالضرائب غير المباشـرة التي يقصد منها تحصيل أكبر إيراد للخزانة لتعويض العجز المالي، غالبا ما تفرض على سلع أو خـدمات يستهلكها قطاع كبير من الناس مما يحمل الفقراء عبئا مسـاويا لعـبء الأغنيـاء ،إن لم يكن يزيد عليه كما أن كثيرا من هذه المكوس يمكن أن يكون على منتجات أساسية بحيث يتحمل منه الفقراء أكثر مما يتحمل الأغنياء في ظل أجور تابثة لا تتغير .فهذا العبء الضريبي هو سبب رئيسي في تعطيل عجلة الإقتصاد في ظل أي نظام كان.

هنا مقالة لسنة 2019 تشير لدراسة تقيس مؤشر العبء الضريبي في المنطقة العربية

https://www.alhurra.com/choice-alhurra/2019/02/12/%D9%85%D8%A4%D8%B4%D8%B1-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%A8%D8%A1-%D8%A7%D9%84%D8%B6%D8%B1%D9%8A%D8%A8%D9%8A-%D8%A3%D8%AB%D9%82%D9%84-%D9%81%D9%8A-%D8%A7%D9%84%D8%AF%D9%88%D9%84-%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%BA%D8%A7%D8%B1%D8%A8%D9%8A%D8%A9

 

خارطة الدول العربية بحسب مؤشر العبء الضريبي

هناك طريقة أخرى لتمويل العجز في إطار الإقتصاد الربوي وإن كانت لها تقاطع مع السياسة النقدية ، وهو التمويل عن طريق الاقتراض مـن البنـك المركـزي كنـوع من الإيـرادات العامـة أو ما يصطلح عليه بالتيسير الكمي . فالتمويـل عـن طريـق الإصـدارات الجديدة للنقود، يؤدي إلى تضخم نقدي عام وانخفاض في قيمة العملة، وهـو في الواقع نوع من الضريبة على ثروات ودخول الناس المحددة بوحدات نقدية، وبذلك تقل قدرتهم الشرائية.

 

وهذين النموذجين لا يتفقان والسياسة الشرعية العادلة التي يقرها الإسلام من خلال تشريعاته واجتهادات العلماء.




السابق
يوري بين باروش
التالي
وليام جي كاسي

0 تعليقات

أضف تعليقا

اترك تعليقاً