علوم الدين

ملك النبي سليمان والعلم المتين - صلاح إبن إبراهيم أبو عرفة

ملك النبي سليمان والعلم المتين - صلاح إبن إبراهيم أبو عرفة
 
يقول الله سبحانه وتعالى : " وَلِسُلَيْمَانَ الرِّيحَ غُدُوُّهَا شَهْرٌ وَرَوَاحُهَا شَهْرٌ وَأَسَلْنَا لَهُ عَيْنَ القِطْرِ وَمِنَ الجِنِّ مَنْ يَعْمَلُ بَيْنَ يَدَيْهِ بِإِذْنِ رَبِّهِ وَمَنْ يَزِغْ مِنْهُمْ عَنْ أَمْرِنَا نُذِقْهُ مِنْ عَذَابِ السَّعِيرِ * يَعْمَلُونَ لَهُ مَا يَشَاءُ مِنْ مَحَارِيبَ وَتَمَاثِيلَ وَجِفَانٍ كَالجَوَابِ وَقُدُورٍ رَاسِيَاتٍ اعْمَلُوا آَلَ دَاوُودَ شُكْرًا وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ". ( سبأ : 1213 ) .


إنه " داود " ذو الأيد ، أي الشديد المكين ، و إبنه " سليمان " الكامل الذي أوتي من كل شيء ، كما سبق وبينا في شرح " ذي القرنين " عليه السلام . و لنحتفظ بهذه الصورة
" شديدة القوة " لآل داود ، إلى جانب الفواتح من آيات سورة سبأ وما فيها من الملك الكامل الشديد المنيع ، وما فيها من إستعدادات الحرب والردع ، من الخسف والكسف . فهذا التوافق والانسجام هو إستدلالنا الأول إلى ما سنقول .

فبعد الحديد والسابغات ، وهي الدروع ( كما تقول التفاسير ) ولنا فيها فهم آخر ، تُسخّر الريح لسليمان ، وفيها ما فيها من القوة والتدمير : ( ريح فيها عذاب أليم تدمر كل شيء بأمر ربها ) ، ثم عين القطر ( النحاس المذاب ) ، ثم العمّال الأشداء من الجن والعفاريت ، وكلهم مسخرين بأمر الله للخليفة ( الملك النبي سليمان ) .


فماذا كانوا يعملون له ؟!

" محاريب " ، " تماثيل " ، " جفان كالجواب " ، " قدور راسيات " .... لنسترجع الآن الصورة التي احتفظنا بها من قبل عن المُلك الشديد ، والمهام العليا ، لهذا الملك ، ولنقربها مما تقوله التفاسير عن هذه " الأربع " ، ولنر كم تتفقان وكم تختلفان ؟

ماذا تقول التفاسير ؟


" المحاريب " : محاريب الصلاة والمساجد ، أو الأماكن المشرفة ! .

" التماثيل " : تماثيل ونقوش للطير والسباع ، أو " للملائكة " والأنبياء والصالحين ! .

" جفان كالجواب " : قصاع عظيمة للأكل ، أي صحون كالأحواض الكبيرة ! .

" قدور راسيات " : قدور ضخمة للطبخ كان يصعد إليها بالسلالم والحبال ! .
هذا ما تقوله التفاسير ، فهل تنسجم هذه الأربع مع ما سبق وقدمنا ؟!

أيتدخل الله ، فيسخّر ويقوي ويوحي ويشد ، فينتهي الخليفة الذي مكّنهُ الله بعد هذا كله إلى هذا المستوى وهذا العطاء البسيط المتواضع من الملك ؟
ويشتغل " الكافرون " اليوم فيسبقون و يرتقون إلى مستوى فائق ، لا يليق معه حتى المقارنة مع ما " تصورناه " نحن عن المُلك " المتواضع " البسيط ، لرجل كان من المفترض أن الله هو من صنعه وأمده ؟!

فهل يا تُرى صاحب هذا الفهم يستحيي أن يرفع النبي سليمان عليه السلام إلى " مستوى حضارتنا المتقدم " ، وما فيها من الرفاهية و " التقنية " ، لما يختزنه في ذاكرته عن سليمان أنه كان في زمن " بدائي قديم " ! .

وما زالت صورة المُلك الشديد ، والحرب وإستعداداتها التي بدأت السورة بها وتركزت عليها ، ما زالت معروضة واضحة ، فما بال قِصاع الطعام الواسعة ، وقدور الطبخ الشاهقة ، ما لها وللحرب ؟ أبهذا يُعرف الملك ، ولهذا يخضع الناس ؟

قد يقول قائل : إنها لإطعام الجيش .
فنقول : إذا خرج الجيش وجهز قصاعه الضخمة وقدوره الشاهقة ، فهل كسب الحرب بهذا واستوفى شروطها ؟

ثم إننا لم نسمع أبداً ( على ضرورة المسألة ) عن تسابق الدول والجيوش بتجهيز الصحون والقدور ، فهي مما يأتي تباعاً ولا تقدح الأذهان فيه .
لم نسمع أبداً عن دولة ما ، مهما بلغت قدراتها ودعت حاجاتها ، تصنع مثل هذا ، و كم من ثري سخي مطعام ، لم يفعل مثل هذا ! .

وعندنا في الحج أكبر شاهد لنا ، فمع حاجة الحكومة لإطعام الحجيج ، وسعتها وغناها ، لم تبن من هذا شيئاً . وإن كان هذا هدي نبي صالح ،
فلم لم يتواص به العلماء ولم يشيروا به على الملوك ؟

وإن كان سليمان سبقنا إلى الخير والصواب فلم لا نقلده ، ونهتدي بهديه ؟ ، وإن كنا نرى أنها لا تصلح ولا تنفع ، فلم نتباهى بأن سليمان كان يفعلها ؟! وإبراهيم عليه السلام أكرم من أطعم ، وهو صاحب البيت والحج ، فلم لم يبن ولم يوص بمثلها ؟! .

قبل أن ندلي بفهمنا ..

نذكّركم بما بدأنا به : من أن سليمان عليه السلام هو صاحب الملك الكامل المتفرد بعطاء الله ، وأنه سبقنا ولم نسبقه ، وأننا ( بأفضل أحوالنا ) نقارب ما كان فيه .
فمن عاصر سليمان عليه السلام يومها كملكة سبأ التي وصفها جندي سليمان بأنها أوتيت من كل شيء و لها عرش عظيم ، لم ترجع هذه الملكة الممكّنة إلى أهلها حتى خضعت لسليمان العظيم .
فماذا رأت عند سليمان ،ولم أسلمت لرب سليمان ؟
لولا أنها رأت من قدرة الله عند سليمان ما يتصاغر ملكها العظيم أمامه !!
" قَالَتْ رَبِّ إِنِّي ظَلَمْتُ نَفْسِي وَأَسْلَمْتُ مَعَ سُلَيْمَانَ للهِ رَبِّ العَالَمِينَ ". ( النمل : 44 ) .

ولا يعني أننا الآن نطير بهياكل من المعدن ، أننا نحن السابقون الفائقون ، فلعل سليمان عليه السلام إذا رآنا بها إستخفّنا ! ، ألم يأت سليمان بعرش بلقيس العظيم بوصف القرآن له ( وهو ما نسميه اليوم البلاط أو الديوان ) بلمح البصر ؟!! .
فكم يلزمنا نحن اليوم من الجهد والوقت لنأتي بمثله ؟ ، أليس هذا ما يحلم به العلماء اليوم من بث المادة و إستحضارها بسرعة الضوء ، بعدما بثوا الصوت والصورة ، فلا يكادون يفلحون ؟ فأيّنا أمثل طريقة وأسبق وأسرع أمراً ؟

وللمحققين من العلماء أدلة قوية في إثبات أن الذي أتى بالعرش هو سليمان نفسه ، وهو ما نتبناه ، فلترجع إليها في التفسير الكبير للفخر الرازي .
قال تعالى :
" وَلَقَدْ آَتَيْنَا دَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ عِلْمًا وَقَالَا الحَمْدُ للهِ الَّذِي فَضَّلَنَا عَلَى كَثِيرٍ مِنْ عِبَادِهِ المُؤْمِنِينَ ". ( النمل : 15 ) .

" فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ وَكُلا آتَيْنَا حُكْمًا وَعِلْمًا وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ الْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ وَالطَّيْرَ وَكُنَّا فَاعِلِينَ " . ( الأنبياء : 79 ) .


نعود إلى صورة الملِكين الممكنين الشديدين ، داود وسليمان عليهما السلام ، وما سخر الله لهما من مؤهلات التمكين والسيطرة و إستعدادات الحرب :
قال تعالى :
" ارْجِعْ إِلَيْهِمْ فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بِجُنُودٍ لَا قِبَلَ لَهُمْ بِهَا وَلَنُخْرِجَنَّهُمْ مِنْهَا أَذِلَّةً وَهُمْ صَاغِرُونَ ". ( النمل : 37 ) .

فكل ما ورثه سليمان عن أبيه داود : ( و ورث سليمان داود ) من الملك الشديد والحديد ، والجبال والطير المستعدة المحشورة ، ثم الريح وعين القطر والجن ومنطق الطير : قال تعالى : " وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الجِنِّ وَالإِنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ * حَتَّى إِذَا أَتَوْا عَلَى وَادِ النَّمْلِ قَالَتْ نَمْلَةٌ يَا أَيُّهَا النَّمْلُ ادْخُلُوا مَسَاكِنَكُمْ لَا يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمَانُ وَجُنُودُهُ وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ "
. ( النمل : 1718 ) .

فهل كان هذا الحشر للجيش ، وهذا الإستعداد كله من أجل صحون الطعام ، وقدور الطبخ ؟! اللهم إن هذا لا يستقيم ولا يتسق ولا يتفق ! .

فلماذا يا نبي الله المُلك والجنود ؟

إن هذا الإستعداد كان للمُلك ، والناتج كان للسلطان على الأرض ، ألا ترون غيرته أن سمع بأرض لا يعبد الله فيها ولا تدين له ؟

لنبدأ من الجفان التي كالجواب

والجفن في لسان العرب : هي العظيمة من القصاع ، أي الصحون الواسعة جداً .

فما هي الجوابي ؟

الجوابي : جمع جابية ، وهي الحوض الواسع الذي يجمع الماء ، وفي صحيح البخاري من حديث أنس : " حتى صارت المدينة كالجوبة " ، أي كحوض الماء من كثرة ما هطل من المطر . ولكن لماذا هذا التشبيه بالذات ، ألِسّعة وحسب ، أم لشيء آخر غيره ؟ فالتشبيه في اللغة ، فيه المشبه ، والمشبه به ، ووجه الشبه . فما هو وجه الشبه هنا ؟

فإذا قلنا : فلان كالأسد ، فهل نقصد شعره أم قوته وسطوته ؟ ، وإذا قلنا فلان كالزرافة ، فهل نريد جلدها أم طولها ؟ .

وإذا قلنا : جفان كالجوابي ، فماذا نريد ؟

المتبادر للذهن أن وجه الشبه هو السعة فقط ، وليس هذا بكاف ، فالجابية عند العرب ليست مضرب المثل للسعة والكبر ، بدليل إستعمال أنس رضي الله عنه لها لغير السعة ، بل إستعملها ليمثل لمجمع الماء ، وإنما الجابية للجباية والجمع ، فهذا وجه التشبيه الأظهر والأولى وهو ظاهر لفظها ومعناها ! .

فالجفان التي كالجوابي : هي القصاع الكبيرة كالحوض التي تجمع الماء وتلمه ، أي صحون واسعة كالحوض التي تجمع وتلم وتلتقط ما حولها، فما هي ؟

قبل أن نجيب ، نقول : لِمَ يوظف لها الجن والشياطين ، إلا تستطيعها الناس ، وهل البشر الذين بنو الأبنية الضخمة والأسوار العظيمة عاجزون عن بناء صحون واسعة كبيرة ؟ ، فلم الجن لها ؟

إذا قرأنا القرآن اليوم ، بعين زماننا وعقولنا نحن ، وكما نتعلم أن القرآن لكل زمان ومكان .. فدعونا نقرأ ما فيه عن سليمان عليه السلام ، بما نعلمه ونعيشه ونراه حولنا ، ألسنا مخاطبين به ، كما خوطب به الأولون ؟

دعونا نقرأ عن نبي عظيم محيط مسيطر ، متفوق علينا بالأشياء والممتلكات ، ويوظف الجن والشياطين ليبنوا له ..

" صحوناً واسعة لتلم وتلتقط " !

فإلى أين ستتجه مداركنا وحساباتنا ؟ ، هل بيننا من سيتجه إلى صحون الطعام ؟، أما أنا فلا ! .


 

السابق
ملك النبي سليمان والعلم المتين - صلاح إبن إبراهيم أبو عرفة
التالي
أطوار القمر: هل القمر يصدر نوره الخاص أم يعكس أشعة الشمس؟

0 تعليقات

أضف تعليقا

اترك تعليقاً