علوم الأرض والفلك

بحر السماء: مصدر ماء المطر

"بسم الله الرحمن الرحيم"
{أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ ۚ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ اللَّهِ لَوَجَدُوا فِيهِ اخْتِلَافًا كَثِيرًا} [النساء : 82]
صدق الله العظيم .
عدة كلمات قد تزن الجبال بل تزيد . جمعت في تلك الآية الكريمة . وعددت فضل من الله ونعمه على كل متدبر وتحدي قائم لكل جاحد . كلم من الله محكم التنزيل . لا يأتيه الباطل ولو كره الكافرون . لا إختلاف فيه حكما ولا إختلاف فيه قصصا ولا إختلاف فيه نصا . وانما قد يقع الخلاف من سوء فهم العباد .

▫نرفع أعيننا مرة أخرى إلى السماء وما يتنزل منها من ماء ونخص الحديث بموضوع قد إختلف فيه الكثير حول مصدر ماء المطر .

 وتداول الأخوة رأيين متعارضين .

الاول . مصدر ماء المطر من السماوات العلى و يتنزل خلال السحب التي تساق إلى ما شاء الله . فتمطر الغيث . وإستشهدوا بعديد الآيات والأحاديث .وأن البخر لا يشكل سوى كثافات ورطوبة وما شابه في طبقات الجو العليا .

الثاني . مصدر ماء المطر هو من الأرض عبر دورة المياة الطبيعية والبخر والتكثف ونشأة الغيم والسحب وأن الماء ساكن مستقر . وإستشهدوا بعديد الآيات والأحاديث وكذلك إستشهدوا بكل العلوم الحديثة .
لكن يا ترى هل هناك رأي ثالث ؟؟؟
عندما تدقق في آراء المتقدمين من علماءنا ستجد رأي ثالث . وهو أن للماء دورة على الأرض وتتشكل السحب مع بخر الماء ولا يمنع ذلك من نشأة الماء من الهواء نفسه بأمر الله وقدره .

وما نطرحه اليوم هو عرض لتلك الآراء ولنتدبر سويا ما بين أيدينا من آيات الله البينات و أحاديث رسولنا الكريم .
كيفية نشأة السحب
قال تعالى
{أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا ثُمَّ يُؤَلِّفُ بَيْنَهُ ثُمَّ يَجْعَلُهُ رُكَامًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ وَيُنَزِّلُ مِنَ السَّمَاءِ مِن جِبَالٍ فِيهَا مِن بَرَدٍ فَيُصِيبُ بِهِ مَن يَشَاءُ وَيَصْرِفُهُ عَن مَّن يَشَاءُ ۖ يَكَادُ سَنَا بَرْقِهِ يَذْهَبُ بِالْأَبْصَارِ} [النور : 43]
▫يعلق ابن كثير
الله يسوق السحاب أول ما ينشئها وهي ضعيفة ، وهو الإزجاء ( ثم يؤلف بينه ) أي : يجمعه بعد تفرقه ، ( ثم يجعله ركاما ) أي : متراكما ، أي : يركب بعضه بعضا ، ( فترى الودق ) أي المطر ( يخرج من خلاله ) أي : من خلله . وكذا قرأها ابن عباس والضحاك .انتهى

ولابد لك وأن تعجب من الوصف الدقيق والذي يتم ملاحظته في رحلات الطيران بإختراق الطائرات تلك الغيوم المتفرقة والتي يجمعها ربي "يؤلف بينه" فتصبح كتل مكدسة مجمعة "ركاما" وهي التي تساق وينزل منها المطر "الودق" من خلالها .
{وَأَنزَلْنَا مِنَ الْمُعْصِرَاتِ مَاءً ثَجَّاجًا} [النبإ : 14]
 فيديو اقل من دقيقتين يوضح الغيوم الخفيفة والسحب والركام من الطائرة .

ويتعدد الوصف الرباني " يقول المولى "
{اللَّهُ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ فَتُثِيرُ سَحَابًا فَيَبْسُطُهُ فِي السَّمَاءِ كَيْفَ يَشَاءُ وَيَجْعَلُهُ كِسَفًا فَتَرَى الْوَدْقَ يَخْرُجُ مِنْ خِلَالِهِ ۖ فَإِذَا أَصَابَ بِهِ مَن يَشَاءُ مِنْ عِبَادِهِ إِذَا هُمْ يَسْتَبْشِرُونَ} [الروم : 48

{وَهُوَ الَّذِي يُرْسِلُ الرِّيَاحَ بُشْرًا بَيْنَ يَدَيْ رَحْمَتِهِ ۖ حَتَّىٰ إِذَا أَقَلَّتْ سَحَابًا ثِقَالًا سُقْنَاهُ لِبَلَدٍ مَّيِّتٍ فَأَنزَلْنَا بِهِ الْمَاءَ فَأَخْرَجْنَا بِهِ مِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ ۚ كَذَٰلِكَ نُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ} [الأعراف : 57]

وتم الوصف الرباني في الآيات الكريمات فيما يخص مهمه السحاب و الرياح في كيفية نزول المطر . وتلك العملية بكاملها بين السماء والأرض استنادا لمكان وجود ونشاة السحب والمدلول عليه في الآية الكريمة . اسمع
قال تعالى .
{إِنَّ فِي خَلْقِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافِ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَالْفُلْكِ الَّتِي تَجْرِي فِي الْبَحْرِ بِمَا يَنفَعُ النَّاسَ وَمَا أَنزَلَ اللَّهُ مِنَ السَّمَاءِ مِن مَّاءٍ فَأَحْيَا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّةٍ وَتَصْرِيفِ الرِّيَاحِ وَالسَّحَابِ الْمُسَخَّرِ بَيْنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ} [البقرة : 164

▫هنا تصريح بأن السحاب مسخر ما بين السماء و الأرض وهو مكان نشأته وكيف يساق إلى ما شاء الله أن يساق عبر الرياح وملائكة الرحمن .

وتضمن كتاب الله العديد والعديد من الأيات التي تشير إلى نزول الماء من السماء وبثت الحياة في الأرض بوجوده وكان سر لها وركن أساسي في نشأتها وإستمرارها وهنا إشارة واضحة للماء الذي أنزله الله إلى الأرض في نشأتها الأولى

https://www.greatsciences.com/221

وبعد تلك المقدمة نعود للسؤال الذي يبنى عليه صلب الموضوع .
ما هو مصدر تكوين السحب .ماء البخر ام ماء السماء؟؟

فلنستدل أولا بأقوال من الأهمية أن نستقبلها بتمعن .
ابن العثيمين رحمه الله:
فهذا المطر ينزل من السحاب والسحاب قد أثارته الرياح بأمر الله عز وجل وليس لديّ علم بأكثر من ذلك لكن إذا علم أن هنالك أسبابا طبيعية فإنه لا حرج في قبولها إذا صحت فإن الله تعالى قد يجعل الشيء له سببان سبب شرعي وسبب كوني قدري مثل الكسوف وعلى هذا فنقول إن سبب نزول المطر هو ما ذكره الله تعالى في القرآن .

ابن باز رحمه الله:

ذكر العلماء أن بخار ماء البحار قد يجتمع منه الماء في السحب بأمر الله سبحانه ، وقد يخلق الماء في الجو فيمطر به الناس بأمر الله سبحانه ،
فقد يكون تجمع هذه المياه بإذن الله من البحار ثم يجعله الله عذبا بعد ذلك في السماء يقلبه الله من ملوحته إلى كونه عذبا ويسوقه في السحاب إلى ما يشاء من الأراضي المحتاجة إلى ذلك كما يشاء جل وعلا. وقد يخلق الله سبحانه الماء في الجو فتحمله السحب والرياح إلى أماكن محتاجة إلى ذلك.

▫ذكر هذا المعنى ابن القيم رحمه الله في كتابه "مفتاح دار السعادة" وذكره غيره. وقد ثبت في الأحاديث الصحيحة أن الماء نبع من بين أصابع النبي صلى الله عليه وسلم في المدينة وفي خارجها فشرب منه الناس وتوضئوا ، وذلك من آيات الله العظيمة الدالة على كمال قدرته وعلمه ورحمته وإحسانه وصدق رسوله صلى الله عليه وسلم. ولا يستغنى بذلك عن الاستسقاء ، بل الاستسقاء مشروع عند وجود أسبابه ،

ابن القيم الجوزية رحمه الله تعالى:
قال في مفتاح دار السعادة:
........مقتطف
فينشيء سبحانه السحاب وهي روايا الارض ثم يرسل الرياح فتحمل الماء من البحر وتلقحها به كما يلقح الفحل الانثى ولهذا تجد البلاد القريبة من البحر كثيرة الامطار وإذا بعدت من البحر قل مطرها وفي هذا المعنى يقول الشاعر يصف السحاب
شربن بماء البحر ثم ترفعت ... متى لجج خضر لهن نئبج

▫وفي الموطأ مرفوعا وهو احد الاحاديث الاربعة المقطوعة إذا نشأت سحابة بحرية ثم تشاءمت فتلك عين غديقة فالله سبحانه ينشيء الماء في السحاب إنشاء (تارة يقلب الهواء ماء وتارة يحمله الهواء من البحر) فيلقح به السحاب ثم ينزل منه على الأرض للحكم التي ذكرناها ولو انه ساقه من البحر الى الارض جاريا على ظهرها لم يحصل عموم السقي الا بتخريب كثير من الارض ولم يحصل عموم السقي لأجزائها فصاعدة سبحانه الى الجو بلطفه وقدرته ثم انزله على الارض بغاية من اللطف والحكمة التي لا اقتراح لجميع عقول الحكماء فوقها فأنزله ومعه رحمته على الارض)) ا.هــ

ابن تيمية رحمه الله:في مج16 ص16:
.....مقتطف

و ماء السماء ينزل من السحاب و الله ينشئه من الهواء الذى في الجو و ما يتصاعد من الأبخرة و ليس فى القرآن أن جميع ما ينبع يكون من ماء السماء و لا هذا أيضا معلوما بالإعتبار فإن الماء قد ينبع من بطون الجبال و يكون فيها أبخرة يخلق منها الماء و الأبخرة و غيرها من الأهوية قد تستحيل كما إذا أخذ إناء فوضع فيه ثلج فإنه يبقى ما أحاط به ماء و هو هواء إستحال ماء و ليس ذلك من ماء السماء فعلم أنه ممكن أن يكون فى الأرض ماء ليس من السماء فلا يجزم بأن جميع المياه من ماء السماء وإن كان غالبها من ماء السماء والله أعلم ا.هــ كلامه.
رده على الرازي:189

وكذلك إذا تكلم في المطر يذكر قول أولئك الذين يجعلونه حاصلا عن مجرد البخار المتصاعد والمنعقد في الجو وقول من يقول إنه أحدثه الفاعل المختار بلا سبب ويذكر قول من يقول إنه نزل من الأفلاك وقد يرجح هذا القول في تفسيره ويجزم بفساده في موضع آخر
وهذا القول لم يقله أحد من الصحابة ولا التابعين لهم بإحسان ولا أئمة المسلمين بل سائر أهل العلم من المسلمين من السلف والخلف يقولون إن المطر نزل من السحاب ولفظ السماء في اللغة والقرآن اسم لكل ما علا فهو اسم جنس للعالي لا يتعين في شيء إلا بما يضاف إلى ذلك)) انتهى

كل تلك الآراء تتجه وتقول أن تنشأة الماء في السحب من البخر او من الهواء ذاته في مكان تكون السحب اي بين السماء والأرض واللفظ عند ابن تيمية عندما قال
بل سائر أهل العلم من المسلمين من السلف والخلف يقولون إن المطر نزل من السحاب ولفظ السماء في اللغة والقرآن اسم لكل ما علا فهو اسم جنس للعالي لا يتعين في شيء إلا بما يضاف إلى ذلك))

ولفظة السماء تعددت معانيها في كتاب الله فهي لا تشير للسماوات السبع وفقط وانما تشير للعلو على اوجه مختلفة
https://m.facebook.com/groups/1306819839391406?view=permalink&id=1896048937135157

▫وكما تتابعون فمختلف الآراء تذهب لحركة المياه على الأرض في أنهارها وبحارها وعيونها بل وحركتها في البخر وصعودها لجو السماء كبخار ماء او تحللها لهواء وكذلك تلقيح الرياح للسحب ونشأتها مرة أخرى وإرسالها إلى الأرض .
وهنا تحضرني الأية الكريمة .

{وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ وَمَا كُنَّا عَنِ الْخَلْقِ غَافِلِينَ}
{وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً بِقَدَرٍ فَأَسْكَنَّاهُ فِي الْأَرْضِ ۖ وَإِنَّا عَلَىٰ ذَهَابٍ بِهِ لَقَادِرُونَ} [المؤمنون17 : 18]
بقدر نزل ونشأت به الحياة ودحى الله الأرض وأخرج منها الماء والمرعى وذلك الماء الذي سكن الأرض باق بمشيئة الله وهو القادر عليه وعلى زواله .

حجج حول نزول الماء من السماوات العلى

 لدينا بعض الحجج حول نزول الماء من السماء ذاتها
ومعظمها تنحصر في عدم فهم لفظ السماء في القرآن او عدم فهم بعض الآيات التي تتحدث عن النشأة وأصل الحياة وكيف تكونت وأيضا عدم جمع معطيات الآيات في ميزان واحد فألفاظ القرآن تؤخذ مجمعه وتعرف بشمولها وليس بالإقتطاع . وعديد الآيات يؤخذ على عدة وجوه والعبرة بالسياق الكامل للآيات . وهو ما قد تم بيانه في المنشورين السابقين . وهناك حجج تستحق البحث والمناقشات أيضا ومنها .

حديث أنس
في صحيح مسلم : عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : " أصابنا ونحن مع رسول الله صلى الله عليه وسلم مطر فحسر رسول الله صلى الله عليه وسلم ثوبه حتى أصابه من المطر فقلنا يا رسول الله لم صنعت هذا قال لأنه حديث عهد بربه تعالى " .
وهناك بعض الاحاديث تضم نفس الالفاظ في محبة التبارك بماء المطر . ولكن يذهب المفسرون في توصيف تلك الأحاديث وألفاظها إلى حداثة نشأة الماء وقرب نزوله فله منزلة العلو والمباركة فلم يختلط بما يسوءه من حدث او سقية او خزن . فالله تعالى وسمى وعز وجل فهو أقرب لكل شيء من اي شيء خلقه ولا منطق حول نزوله عبر السماوات جمعا فيكون قريب عهد بربه فهنا وقع المتن في إشكال كبير فحداثة العهد بحداثة الخلق وهو بنزوله من السحب أقرب ما يكون حداثة في نشأته وعهده بربه . وسع كرسيه السماوات والارض سبحانه .
وإليكم تخريج الحديث ففيه الكثير من الإفاده.
http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=229311

أيضا لدينا حجة عبر الآية الكريمة في قوله تعالى .
{فَفَتَحْنَا أَبْوَابَ السَّمَاءِ بِمَاءٍ مُّنْهَمِرٍ} [القمر : 11]
ولها عديد التفاسير لكن سنتوقف عند رواية عند ابن كثير في تفسيره ويحتج بها البعض.
▫قال ابن جريج ، عن ابن عباس : ( ففتحنا أبواب السماء بماء منهمر ) كثير ، لم تمطر السماء قبل ذلك اليوم ولا بعده ، ولا من السحاب ; فتحت أبواب السماء بالماء من غير سحاب ذلك اليوم ، فالتقى الماءان على أمر قد قدر .
▫وهنا لا نرد ما نقل ولن ندقق في صحة النقل . ولنأخذه على محمل الصحة .
فالآية الكريمة توخذ على وجهيين . إما على التعبير المجازي وإما على ظاهر الأية . وفي الوجهين لا إشكال يخص موضوعنا .
الوجه المجازي يخرجنا بعيدا عن اي إشكال وله قوة في المعنى وترجيح كبير .
أما بظاهر الآية وله ترجيح كبير أيضا .فيعود بنا إلى قصة الطوفان وهو الحدث المعجر الذي بنيت عليه القصة في نهايتها ومثله كعروج المصطفى وشق البحر لموسى ونزول المائدة من السماء . كلها تقع في ركن الإعجاز لا المداومة . وهي قدرة الله التي تعجز العباد ولا مداومة فيها لمطر يتنزل في جميع أيام السنة وجميع ساعات اليوم . فوجه المقاربة بعيد كل البعد .
ويقول المولى
{يَوْمَ يُنفَخُ فِي الصُّورِ فَتَأْتُونَ أَفْوَاجًا (18) وَفُتِحَتِ السَّمَاءُ فَكَانَتْ أَبْوَابًا (19)} [النبإ : 18-19]
صدق الله العظيم .
▫في النهاية لا حرج من كون للماء حركة ودورة عبر الأرض وجو السماء فله أدلة قاطعة في كتاب الله وسنة الرسول ولا حرج أيضا من نزول الماء من السماوات ولكن يلزم ذلك دليل موجب الفهم والدقة وقد اورت لكم رأيا يخص نهر النيل والفرات في موضوع سابق وكذلك عن طوفان نوح وخصوصية الحدثان ان صدق الفهم ولا اجد دليلا يعزز ذلك الرأي غير ما قيل .


بحر السماء 4.jpg (132 KB)

السابق
بحر السماء: الماء خلق الأول
التالي
بحر السماء: تفكر دقيقة تصلك الحقيقة

0 تعليقات

أضف تعليقا

اترك تعليقاً